أبو الليث السمرقندي

26

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ : ( من ) للتبعيض ، فإنه أراد به بعض الناس ولم يرد به جميع الناس ، فكأنه قال : بعض الناس يقولون : آمنا باللّه . وقد قيل : معناه : ومن الناس ناس يقولون : آمنا باللّه ، يعني صدقنا باللّه وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وبالبعث . بعد الموت وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يعني ليسوا بمصدقين ، بل هم منافقون منهم : عبد اللّه بن أبي ابن سلول الخزرجي ، ومعتب بن قشير ، وجد بن قيس ، ومن تابعهم من المنافقين . وفي هذه الآية دليل على أن القول بغير تصديق القلب لا يكون إيمانا ، لأن المنافقين كانوا يقولون بألسنتهم ، ولم يكن لهم تصديق القلب ، فنفى اللّه الإيمان عنهم فقال : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 9 ] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) قوله تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ وأصل الخداع في اللغة هو الستر . يقال للبيت الذي يخزن فيه المال : مخدع ، والعرب تقول : انخدعت الضب في جحرها . فكان المنافقون يظهرون الإيمان ويسترون نفاقهم وكفرهم فقال : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي يكذبون ويخالفون اللّه والّذين آمنوا ويقال يظنون أنهم يخادعون اللّه والّذين آمنوا ، لأنه قد بين في سياق الآية حيث قال تعالى : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ . روي عن الأخفش أنه قال : اجترءوا على اللّه ، حتى ظنوا أنهم يخادعون اللّه . وقال بكر بن جريج : يظهرون لا إله إلا اللّه ، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم وأنفسهم ؛ ويقال : يظهرون غير ما في أنفسهم . وهذا موافق لما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : علامة المنافق ثلاث : إذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ، وإذا حدّث كذب . وقوله : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ . قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة الكسائي وَما يَخْدَعُونَ بغير ألف ، وقرأ الباقون بالألف وما يخادعون . وتفسير القراءتين واحد يعنى : وبال الخداع يرجع إليهم ويضر بأنفسهم . قوله : وَما يَشْعُرُونَ . قال الكلبي : يعني وما يعلمون أن اللّه يطلع نبيه على كذبهم ؛ وقال بعضهم : معناه وما يشعرون أن وبال الخداع يرجع إليهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 10 ] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني شكا ونفاقا وظلمة وضعفا ، لأن المريض فيه فترة ووهن ، والشاك أيضا في أمره فترة وضعف . فعبّر بالمرض عن الشك ، لأن المنافقين فيهم ضعف ووهن ، ألا ترى إلى قوله تعالى : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [ المنافقون : 4 ] . ويقال : إن المريض تعرض للهلاك ، فسمي النفاق مرضا ، لأن النفاق قد يهلك صاحبه ، لأن